عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
279
اللباب في علوم الكتاب
القصّة ، وهو أشمويل عليه الصّلاة والسّلام ، وعلى هذا التّقدير إن قلنا : هذا الكلام من طالوت ، فيكون تحمّله عن ذلك النّبي ، وحينئذ لا يكون طالوت نبيّا ، وإن قلنا : الكلام من النّبيّ فتقديره : فلمّا فصل طالوت بالجنود قال لهم نبيهم : إن اللّه مبتليكم بنهر ، وفي هذا الابتلاء وجهان : الأول : قال القاضي « 1 » : كان المشهور من أمر بني إسرائيل مخالفة الأنبياء ، والملوك مع ظهور الآيات ، والمعجزات ، فأراد اللّه تعالى إظهار علامة قبل لقاء العدوّ يتميز بها الصّابر على الحرب من غيره . الثاني : أنّه تعالى ابتلاهم ليتعوّدوا الصّبر على الشّدائد والابتلاء الامتحان وفيه لغتان من « بلا يبلو » و « ابتلى يبتلي » ؛ قال : [ الكامل ] 1163 - ولقد بلوتك وابتليت خليفتي * ولقد كفاك مودّتي بتأدّب « 2 » فجاء باللّغتين ، وأصل الياء في مبتليكم واو لأنّه من بلا يبلو ؛ وابتلى يبتلي ، أي : اختبر ، وإنّما قلبت لانكسار ما قبلها . قوله بِنَهَرٍ الجمهور على قراءته بفتح الهاء وهي اللّغة الفصيحة ، وفيه لغة أخرى : تسكين الهاء ، وبها قرأ مجاهد « 3 » وأبو السّمّال في جميع القرآن وكلّ ثلاثي حشوه حرف حلق ، فإنّه يجيء على هذين الوجهين ؛ كقوله : صخر وصخر وشعر وشعر وبحر وبحر ؛ قال : [ البسيط ] 1164 - كأنّما خلقت كفّاه من حجر * فليس بين يديه والنّدى عمل يرى التّيمّم في برّ وفي بحر * مخافة أن يرى في كفّه بلل « 4 » وتقدم اشتقاق هذه اللّفظة عند قوله تعالى : مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [ البقرة : 25 ] . قوله : « فَلَيْسَ مِنِّي » ، أي : من أشياعي وأصحابي ، و « من » للتّبعيض ؛ كأنه يجعل أصحابه بعضه ؛ ومثله قول النّابغة : [ الوافر ] 1165 - إذا حاولت في أسد فجورا * فإنّي لست منك ولست منّي « 5 »
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 152 . ( 2 ) ينظر : الرازي 6 / 153 . ( 3 ) قرأ بها حميد الأعرج . انظر : المحرر الوجيز 1 / 344 ، والبحر المحيط 2 / 273 ، والدر المصون 1 / 604 . ( 4 ) ينظر : الرازي 6 / 153 . ( 5 ) ينظر : ديوانه ( 123 ) ، الكتاب 4 / 186 ، شرح الحماسة 1 / 474 ، القرطبي 3 / 252 ، البحر 2 / 273 ، الدر المصون 1 / 604 .